المسألة الرابعة: قالوا الآية دلت على أن خلاف معلوم الله مقدور له لأن كلمة لو دلت على أنه تعالى ما شاء أن يبعث في كل قرية نذيرًا ، ثم إنه تعالى أخبر عن كونه قادرًا على ذلك فدل ذلك على أن خلاف معلوم الله مقدور له .
أما قوله تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا } فالأقوى أن المراد من ذلك تعظيم النبي A وذلك لوجوه: أحدها: كأنه تعالى بين له أنه مع القدرة على بعثة رسول ونذير في كل قرية خصه بالرسالة وفضله بها على الكل ولذلك أتبعه بقوله: { فَلاَ تُطِعِ الكافرين } أي لا توافقهم وثانيها: المراد ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين ولبعثنا في كل قرية نذيرًا ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل ، فقابل هذا الإجلال بالتشدد في الدين وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيرًا مثل محمد ، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد ألبتة ، وقوله: { وَلَوْ } يدل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك ، فبالنظر إلى الأول يحصل التأديب ، وبالنظر إلى الثاني يحصل الإعزاز .
أما قوله: { فَلاَ تُطِعِ الكافرين } فالمراد نهيه عن طاعتهم ، ودلت هذه الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلًا به .
وأما قوله: { وجاهدهم بِهِ جِهَادًا كَبيرًا } فقال بعضهم: المراد بذل الجهد في الأداء ، والدعاء وقال بعضهم: المراد القتال ، وقال آخرون: كلاهما ، والأقرب الأول لأن السورة مكية ، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان وإنما قال: { جِهَادًا كَبيرًا } لأنه لو بعث في كل قرية نذيرًا لوجب على كل نذير مجاهدة قريته ، فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات وكثر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له: { وجاهدهم } بسبب كونك نذير كافة القرى { جِهَادًا كَبيرًا } جامعًا لكل مجاهدة .