المسألة الثانية: سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعًا ، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه ، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع .
المسألة الثالثة: قال القاضي: بين الله تعالى أن المضاعفة والزيادة يكون حالهما في الدوام كحال الأصل ، فقوله: { وَيَخْلُدْ فِيهِ } أي ويخلد في ذلك التضعيف ، ثم إن ذلك التضعيف إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي ، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائمًا ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك ، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو منفردًا والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح ، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسنًا وإن كان الجمع بينهما قبيحًا ، وقد يكون كل واحد منهما قبيحًا ، ويكون الجمع بينهما أقبح ، فكذا ههنا .
المسألة الرابعة: قوله: { وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة ، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم .
أما قوله تعالى: { إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالحا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: دلت الآية على أن التوبة مقبولة ، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين ، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين ، وإنما الدال عليه قوله: { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } .
المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل غير مقبولة ، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا } [ النساء: 93 ] وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة ، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين ، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء .
المسألة الثالثة: فإن قيل: العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان ، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشوًا ، قلنا: أفردهما بالذكر لعلو شأنهما ، ولما كان لا بد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح .
المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } على وجوه: أحدها: قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا ، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانًا ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين ، وبالزنا عفة وإحصانًا ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب وثانيها: قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات . وثالثها: قال قوم: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية ، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول ، ويحتجون بما روى أبو هريرة Bه عن النبي A أنه قال: