فهرس الكتاب

الصفحة 5517 من 8321

السؤال الثالث: لماذا أدخل ( أو ) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معًا؟ جوابه: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده .

وأما قوله تعالى: { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون ذلك إلا في حال برد .

أما قوله تعالى: { نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا وسبحان الله رَبّ العالمين } ففيه أبحاث:

البحث الأول: { أن } أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له بورك .

البحث الثاني: اختلفوا فيمن في النار على وجوه: أحدها: { أَن بُورِكَ } بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور ، وذلك هو الله سبحانه { وَمَنْ حَوْلَهَا } يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس Bهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة وثانيها: { مَن فِى النار } هو نور الله ، { وَمَنْ حَوْلَهَا } الملائكة ، وهو مروي عن قتادة والزجاج وثالثها: أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلًا للكلام ، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال: { بُورِكَ مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا } وهو قول الجبائي ورابعها: { مَن فِى النار } هو موسى عليه السلام لقربه منها { مِنْ حَوْلَهَا } يعني الملائكة ، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه وخامسها: قول صاحب «الكشاف» : { بُورِكَ مَن فِى النار } أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: { مِن شَاطِىء الواد الأيمن فِي البقعة المباركة } [ القصص: 30 ] ويدل عليه قراءة أبي ( تباركت الأرض ومن حولها ) وعنه أيضًا ( بوركت النار ) .

البحث الثالث: السبب الذي لأجله بوركت البقعة ، وبورك من فيها وحواليها حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولًا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله: { ونجيناه وَلُوطًا إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين } [ الأنبياء: 71 ] وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتًا .

البحث الرابع: أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله: { بُورِكَ مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا } يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها . وقوله: { وسبحان الله رَبّ العالمين } فيه فائدتان: إحداهما: أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام الثانية: أن يكون ذلك إيذانًا بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيهًا على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت