فهرس الكتاب

الصفحة 5568 من 8321

المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول فلم قال: { هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } ولم قال: { رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى فَغَفَرَ لَهُ } ولم قال في سورة أخرى { فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَاْ مِنَ الضالين } [ الشعراء: 20 ] ؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنبًا وثانيها: أن قوله: { وهذا مِنْ عَدُوّهِ } يدل على أنه كان كافرًا حربيًا فكان دمه مباحًا فلم استغفر عنه ، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز ، لأنه يوهم في المباح كونه حرامًا؟ وثالثها: أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهرًا ، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه؟ والجواب: عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم .

أما قوله: { هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } ففيه وجوه: أحدها: لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله: { هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان وثانيها: أن قوله ( هذا ) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله: { هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان ، المراد منه بيان كونه مخالفًا لله تعالى مستحقًا للقتل وثالثها: أن يكون قوله ( هذا ) إشارة إلى المقتول ، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أي من أحزابه .

أما قوله: { رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى } فعلى نهج قول آدم عليه السلام: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف: 23 ] والمراد أحد وجهين ، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه ، وإن لم يكن هناك ذنب قط ، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب .

أما قوله: { فاغفر لِى } أي فاغفر لي ترك هذا المندوب ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون ، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به { فاغفر لِى } أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون { فَغَفَرَ لَهُ } أي ستره عن الوصول إلى فرعون ، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال: { رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لّلْمُجْرِمِينَ } ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سببًا للمعصية لما قال ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت