فهرس الكتاب

الصفحة 5598 من 8321

أما قوله: { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي ، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة ، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى ، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: { إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } [ القصص: 57 ] قال المبرد: الخطف ، الانتزاع بسرعة ، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله A: إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا ، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا ، فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول: قوله: { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَمًا ءامِنًا } أي أعطيناكم مسكنًا لا خوف لكم فيه ، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه ، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة ، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر ، أو لقوله تعالى: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا } [ آل عمران: 97 ] وأما قوله: { يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليًا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه ، ومعنى: { يجبى } يجمع من قولهم: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته ، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء ، وأهل الكوفة ، وأبو عمرو بالياء ، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي ، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى ، ومعنى الكلية الكثرة كقوله: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل: 23 ] وحاصل الجواب: أنه تعالى لما جعل الحرم آمنًا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان ، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى ، قال القاضي: ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقًا لم يكن عذرًا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا ، أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره ، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضًا ، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا ، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة ، أن ذلك لا يجري إن آمنوا ، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا ، فلذلك قدمه الله تعالى ، والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين . بقي ههنا بحثان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت