فهرس الكتاب

الصفحة 5617 من 8321

{ رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلًا } [ المزمل: 9 ] فلا يجوز اتخاذ إله سواء ، ثم قال: { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: { كُلُّ شَيْء هَالِكٌ } فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم ، والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شيء سواه ، ومنهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعًا به ، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء ، وإن كانت أجزاؤه باقية ، فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه ، بل خروجه عن كونه منتفعًا به ، ومنهم من قال: معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته ، فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكن الوجود كان قابلًا للعدم فكان قابلًا للهلاك ، فأطلق عليه اسم الهلاك نظرًا إلى هذا الوجه .

واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شيء سوى الله تعالى يقبل العدم والهلاك قالوا: ثبت أن العالم محدث ، وكل ما كان محدثًا فإن حقيقته قابلة للعدم والوجود ، وكل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبدًا ، لأن الإمكان من لوازم الماهية ، ولازم الماهية لا يزول قط ، إلا أنا لما نظرنا في هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض ، لأنهم إنما أقاموا الدلالة على حدوث الأجسام والأعراض ، فلو قدروا على إقامة الدلالة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم ، إلا أن الخصم يثبت موجودات لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ، فالدليل الذي يبين حدوث المتحيز والقائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ما سوى الله تعالى إلا بعد قيام الدلالة على نفي ذلك القسم الثالث ، ولهم في نفي هذا القسم الثالث طريقان أحدهما: قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه وهذه طريقة ركيكة بينا سقوطها في الكتب الكلامية والثاني: قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركًا لله تعالى في نفي المكان والزمان والإمكان ، ولو كان كذلك لصار مثلًا لله تعالى وهو ضعيف ، لاحتمال أن يقال إنهما وإن اشتركا في هذا السلب إلا أنه يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية وحقيقة ، وإذا كان كذلك ظهر أن دليلهم العقلي لا يفي بإثبات أن كل شيء هالك إلا وجهه ، والذي يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول ثبت أن صانع العالم واجب الوجود لذاته فيستحيل وجود موجود آخر واجب لذاته ، وإلا لاشتركا في الوجوب وامتاز كل واحد منهما عن الآخر بخصوصيته ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركبًا عما به المشاركة وعما به الممايزة وكل مركب ممكن مفتقر إلى جزئه ، ثم إن الجزأين إن كانا واجبين كانا مشتركين في الوجوب ومتمايزين باعتبار آخر فيلزم تركب كل واحد منهما أيضًا ويلزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يكونا واجبين فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون واجبًا ، فثبت أن واجب الوجود واحد وأن كل ما عداه فهو ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح ، وافتقاره إلى المرجح ، إما حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول ثبت أنه محدث ، وإن كان الثاني فافتقار الموجود إلى المؤثر ، إما حال حدوثه أو حال بقائه ، والثاني باطل لأنه يلزم إيجاد الموجود وهو محال فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث ، وثبت أن كل ما سوى الله تعالى محدث سواء كان متحيزًا أو قائمًا بالمتحيز أو لا متحيزًا ولا قائمًا بالمتحيز ، فإن نقضت هذه الدلالة بذات الله وصفاته ، فاعلم أن هناك فرقًا قويًا وإذا ثبت حدوث كل ما سواه وثبت أن كل ما كان محدثًا كان قابلًا للعدم ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شيء هالك إلا وجهه ، بمعنى كونه قابلًا للهلاك والعدم ، ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى وذلك لأنه سبحانه حكم بكونها هالكة في الحال ، وعلى ما قلناه فهي هالكة في الحال ، وعلى ما قلتموه أنها ستهلك لا إنها هالكة في الحال ، فكان قولنا أولى وأيضًا فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقًا لا للوجود ولا للعدم من ذاته ، فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته ، وأما الوجود فوارد عليه من الخارج فالوجود له كالثوب المستعار له وهو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذي استعار ثوبًا من رجل غني ، فإن الفقير لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيرًا كذا الممكنات عارية عن الوجود من حيث هي هي ، وإنما الوجود ثوب حصل لها بالعارية فصح أنها أبدًا هالكة من حيث هي هي ، أما الذين حملوه على أنها ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا: الهلاك في اللغة له معنيان أحدهما: خروج الشيء عن أن يكون منتفعًا به الثاني: الفناء والعدم لا جائز حمل اللفظ على الأول لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال ، لأنها وإن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم ، وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة ، وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة . وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على الفناء . أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال: هلاك الشيء خروجه عن المنفعة التي يكون الشيء مطلوبًا لأجلها ، فإذا مات الإنسان قيل هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله ، وإذا تمزق الثوب قيل هلك ، لأن المقصود منه صلاحيته للبس ، فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السموات والكواكب والجبال والبحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعًا بها انتفاعًا خاصًا ، فلا جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة خاصة بالشمس من حيث هي شمس والقمر من حيث هو قمر ، فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت