فهرس الكتاب

الصفحة 5658 من 8321

{ أَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مّن دُونِ النساء } [ الأعراف: 81 ] يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله: { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال قوم إبراهيم { اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ } [ العنكبوت: 24 ] وقال قوم لوط { ائتنا بِعَذَابِ الله } وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطًا كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله: لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغني والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقًا فأتنا بالعذاب ، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ } [ النمل: 56 ] وقال ههنا { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا } فكيف الجمع؟ فنقول لوط كان ثابتًا على الإرشاد مكررًا عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ، ثم إن لوطًا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله { فَقَالَ رَبّ انصرنى عَلَى القوم المفسدين } فإن الله لا يحب المفسدين ، حتى ينجز النصر .

واعلم أن نبيًا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم ، كما قال نوح: { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا } [ نوح: 27 ] يعني المصلحة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم ، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع ، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله ، بطلت المصلحة حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيرًا ، فطلب العذاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت