فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 8321

{ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } [ البقرة: 89 ] . وثانيها: يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة ، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورًا في التوراة والإنجيل مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له . وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك . ورابعها: ولا تكونوا أول كافر به ، يعني بكتابكم يقول ذلك ولعلمائهم: أي و لا تكونوا أول أحد من أمتكم كذلك كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد A يوجب تكذيبكم بكتابكم . وخامسها: أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعًا واحدًا من الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنبًا ممن بعده لقوله عليه السلام:"من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها"فلما كان كفرهم عظيمًا وكفر من كان سابقًا في الكفر عظيمًا فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة . وسادسها: المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة . وسابعها: أول كافر به من اليهود لأن النبي A قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل: أول من كفر به من أهل الكتاب وهو كقوله: { وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة: 47 ، 122 ] أي على عالمي زمانهم . وثامنها: ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه ، وتاسعها: أن لفظ: «أول» صلة والمعنى ولا تكونوا كافرين به ، وهذا ضعيف ، السؤال / الثاني: أنه كان يجوز لهم الكفر إذ لم يكونوا أولًا ، والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس في ذكر تلك الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه ، وثانيها: أن في قوله: { وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } دلالة على أن كفرهم أولًا وآخرًا محظور ، وثالثها: أن قوله: { رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } [ الرعد: 2 ] لا يدل على وجود عمد لا يرونها . وقوله: { وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ } [ النساء: 155 ] لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق . وقوله: عقيب هذه الآية: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلًا } لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير ، فكذا ههنا ، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله A صفته . ورابعها: قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك . فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة ، وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران ، أحدهما: السبق إلى الكفر ، والثاني: التفرد به ، ولا شك في أنه منقصة عظيمة ، فقوله: { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } إشارة إلى هذا المعنى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت