{ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } [ البقرة: 153 ] . أما قوله تعالى: { وإنها } ففي هذا الضمير وجوه ، أحدها: الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين . وثانيها: الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله: { واستعينوا } . وثالثها: أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [ البقرة: 40 ، 47 ، 122 ] إلى قوله: { واستعينوا } والعرب قد تضمر الشيء اختصارًا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل: ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض . ويقولون: ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة . وقال تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } [ النحل: 61 ] ، ولا ذكر للأرض ، أما قوله: { لكبيرة } أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل ، وذلك منكر من القول ، قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك الخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما المراد بقوله: وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ولا في تركها عقابًا ، فيصعب عليه فعلها . فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها ، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع ، أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله: { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه . مثاله إذا قيل للمريض: كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه ، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، وعليه يحمل قوله E: « وجعلت قرة عيني في الصلاة » . وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه ، وكيف وكان E يصلي حتى تورمت قدماه ، وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع .