فهرس الكتاب

الصفحة 5767 من 8321

المسألة الثانية: قال في الشكر { ومن يشكر } بصيغة المستقبل ، وفي الكفران { ومن كفر فإن الله غني } ، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد ، كقول القائل: من دخل داري فهو حر ، ومن يدخل داري فهو حر ، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر ، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة ، فمن شكر ينبغي أن يكرر ، والكفر ينبغي أن ينقطع فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران ، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله ، بل أبدًا يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر إدخاله في الوجود ، كما قال: { رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك } [ النمل: 19 ] وكما قال تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ النحل: 18 ] فأشار إليه بصيغة المستقبل تنبيهًا على أن الشكر بكماله لم يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام ، فقال بصيغة الماضي .

المسألة الثالثة: قال تعالى هنا: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ } بتقديم الشكر على الكفران ، وقال في سورة الروم: { وَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُون } [ الروم: 44 ] فنقول هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُون } [ الروم: 43 ] وههنا الذكر للترغيب ، لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد ، وقوله: { وَمَنْ عَمِلَ صالحا } يحقق ما ذكرنا أولًا ، لأن المذكور في سورة الروم لما كان بعد اليوم الذي لا مرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضي ومن عمل ، وههنا لما كان المذكور في الابتداء قال { وَمَن يَشْكُرْ } بلفظ المستقبل وقوله: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ } عن حمد الحامدين ، حميد في ذاته من غير حمدهم ، وإنما الحامد ترتفع مرتبته بكونه حامدًا لله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت