{ إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ } [ المجادلة: 2 ] فنقول قوله تعالى في الآية المتقدمة: { والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِى السبيل } جواب عن هذا معناه أن الشرع مثل الحقيقة ، ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة . كما أن امرأتين إذا ادعت كل واحدة ولدًا بعينه ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد ، وإن تبين أن التي حلفت دون البلوغ أو بكر ببينة لا يحكم لها بالولد ، فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع ، لا بل في بعض المواضع على الندور تغلب الشريعة الحقيقة ، فإن الزاني لا يجعل أبًا لولد الزنا . إذا ثبت هذا فالشارع له الحكم فقول القائل هذه أمي قول يفهم لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة . وأما قول الشارع ( فهو ) حق والذي يؤيده هو أن الشارع به الحقائق حقائق فله أن يتصرف فيها ، ألا ترى أن الأم ما صارت أمًا إلا بخلق الله الولد في رحمها ، ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها ، فإذا كان هو الذي يجعل الأم الحقيقية أمًا فله أن يسمى امرأة أمًا ويعطيها حكم الأمومة ، والمعقول في جعل أزواجه أمهاتنا هو أن الله تعالى جعل زوجة الأب محرمة على الابن ، لأن الزوجة محل الغيرة والتنازع فيها ، فإن تزوج الابن بمن كانت تحت الأب يفضي ذلك إلى قطع الرحم والعقوق ، لكن النبي E أشرف وأعلى درجة من الأب وأولى بالإرضاء ، فإن الأب يربي في الدنيا فحسب ، والنبي E يربي في الدنيا والآخرة ، فوجب أن تكون زوجاته مثل زوجات الآباء ، فإن قال قائل: فلم لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى ، أو لم يقل إن أزواجه أزواج أبيكم فنقول لحكمة ، وهي أن النبي لما بينا أنه إذا أراد زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي E ، فلو قال أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد ، ولأنه لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب لقوله E: « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » ولذلك فإن المحتاج إلى القوت لا يجب عليه صرفه إلى الأب ، ويجب عليه صرفه إلى النبي E ، ثم إن أزواجه لهم حكم زوجات الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن ، وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقية والرضاعية .