« لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك » . وهذا صريح في المطلوب ، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئًا فليس له في الشفاعة نصيب . الرابع: عن أبي هريرة قال: قال E: « ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصيمه خصمته ، رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجرته » والاستدلال به أنه E لما كان خصيمًا لهؤلاء استحال أن يكون شفيعًا لهم ، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب . أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه . أحدها: قوله سبحانه وتعالى: حكاية عن عيسى عليه السلام: { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ المائدة: 118 ] ، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة . والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى: { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ المائدة: 118 ] ، لا يليق بالكفار ، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلًا عند الخصم ، وإذا كان كذلك لم يكن قوله: { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } لائقًا بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد A ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وثانيها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم: 36 ] فقوله: { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلًا للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلًا عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة . ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه E تلا قوله تعالى في إبراهيم: { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقول عيسى عليه السلام: { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الآية ، ثم رفع يديه وقال: « اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله A بما قال ، فقال الله D: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك » .