فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 8321

{ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف: 138 ] وأما أمة محمد A فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزًا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد A وما خالفوه في أمر ألبتة ، وهذا يدل على أن أمة محمد A أفضل من أمة موسى عليه السلام . وبقي على الآية سؤالان:

السؤال الأول: أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف؟ والجواب: أما على قولنا فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك ، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى ، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: ( يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ) ، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك ، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول ، فلا جرم ، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة .

السؤال الثاني: أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلًا فلا بد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك؟ فإن قلت: إنه كان عارفًا بربه إلا أنه كان كافرًا على سبيل العناد والجحود . قلت: فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب: حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة .

وأما قوله تعالى: { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ففيه وجوه . أحدها: أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه . وثانيها: أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحدًا منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى: { فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } [ يونس: 92 ] أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم . وثالثها: أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك: لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت