{ وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } [ الأعراف: 202 ] ، والقول الثالث: أن المراد نساؤهم اللواتي على دينهم . أما قوله: { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ الله } ففيه قولان الأول: المراد ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت ، ونظيره قوله: { فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ البقرة: 24 ] قيل المراد بالناس عباد الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التي هي أحجار منحوتة ، فإن قيل إن تلك الأحجار جمادات فما الفائدة في حشرها إلى جهنم؟ أجاب القاضي بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها؟ والأقرب أن يقال إن الله تعالى لا يحيي تلك الأصنام بل يتركها على الجمادية . ثم يلقيها في جهنم لأن ذلك مما يزيد في تخجيل الكفار القول الثاني: أن المراد من قوله: { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين وتأكد هذا بقوله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ يس: 60 ] والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق بالعقلاء ، والله أعلم .
ثم قال: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } قال ابن عباس: دلوهم يقال هديت الرجل إذا دللته وإنما استعملت الهداية ههنا ، لأنه جعل بدل الهداية إلى الجنة ، كما قال: { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران: 21 ] فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك ، وعن ابن عباس { فاهدوهم } سوقوهم وقال الأصم: قدموهم ، قال الواحدي: وهذا وهم . لأنه يقال هدى إذا تقدم ومنه الهداية والهوادي والهاديات الوحش ، قال ولا يقال هدى بمعنى قدم ، ثم قال { وَقِفُوهُمْ } يقال: وقفت الدابة اقفها وقفًا فوقفت هي وقوفًا ، والمعنى احبسوهم وفي الآية قولان أحدهما: على التقديم والتأخير ، والمعنى قفوهم واهدوهم ، والأصوب أنه لا حاجة إليه ، بل كأنه قيل: فاهدوهم إلى صراط الجحيم فإذا انتهوا إلى الصراط قيل { وَقِفُوهُمْ } فإن السؤال يقع هناك وقوله: { أَنَّهُمْ مسؤولون } قيل عن أعمالهم في الدنيا وأقوالهم ، وقيل المراد سألتهم الخزنة { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ . . . قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } [ الزمر: 71 ] ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد ذلك وهو قوله تعالى: { مَا لَكُمْ لاَ تناصرون } أي أنهم يسألون توبيخًا لهم ، فيقال: { مَا لَكُمْ لاَ تناصرون } قال ابن عباس Bهما: لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا ، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فقيل لهم يوم القيامة ما لكم غير متناصرين ، وقيل يقال لكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب .
ثم قال تعالى: { بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ } يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع ، ومعناه في الأصل طلب السلامة بترك المنازعة ، والمقصود أنهم صاروا منقادين لا حيلة لهم في دفع تلك المضار لا العابد ولا المعبود .