فهرس الكتاب

الصفحة 6167 من 8321

واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير ، وإن لم يصدقوا بها فهو تحذير أيضًا ، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوي فيحذرون ، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضًا ثم قال: { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ عِقَابِ } أي كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب ، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين ، والمقصود منه زجر السامعين ، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال: { وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً واحدة مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول: أن يكون المراد عذابًا يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة ، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر:

صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان

ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم ، ونظيره قوله تعالى: { فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } [ يونس: 102 ] الآية والقول الثاني: أن هذه الصيحة هي صيحة النفخة الأولى في الصور ، كما قال تعالى في سورة يس: { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } [ يس: 49 ] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة ، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم ، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة في حضوره ، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال: { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } قرأ حمزة والكسائي { فَوَاقٍ } بضم الفاء ، والباقون بفتحها ، قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة والأخفش: هما لغتان من فواق الناقة . وهو ما بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع ، يقال أفاق من مرضه ، أي رجع إلى الصحة ، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقًا بالفتح وبالضم ، كقولك قصاص الشعر وقصاصه ، قال الواحدي: والفواق والفواق إسمان من الأفاقة ، والأفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض ، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر ، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع ، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي A أنه قال في هذه الآية: « يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع ، قال فيمدها ويطولها » وهي التي يقول: { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين أحدهما: ما لها سكون والثاني: ما لها رجوع ، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ، ويقال لكل من بقي على حالة واحدة ، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت