فهرس الكتاب

الصفحة 6181 من 8321

المسألة الثالثة: { بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ } أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية ، وقال بغت المرأة إذا زنت ، لأن الزنا كبيرة منكرة ، قال تعالى: { وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء } [ النور: 33 ] ثم قال: { فاحكم بَيْنَنَا بالحق } معنى الحكم إحكام الأمر في إمضاء تكليف الله عليهما في الواقعة ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح ، ومنه بناء محكم إذا كان قويًا ، وقوله: { بالحق } أي بالحكم الحق وهو الذي حكم الله به { وَلاَ تُشْطِطْ } يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله: شطت الدار إذا بعدت ، قال تعالى: { لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } [ الكهف: 14 ] أي قولًا بعيدًا عن الحق ، فقوله: { وَلاَ تُشْطِطْ } أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق ، ثم قال: { واهدنا إلى سَوَاء الصراط } وسواء الصراط هو وسطه ، قال تعالى: { فاطلع فَرَءاهُ فِى سَوَاء الجحيم } [ الصافات: 55 ] ووسط الشيء أفضله وأعدله ، قال تعالى: { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة: 143 ] وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها: قولهم فاحكم بالحق وثانيها: قولهم: { وَلاَ تُشْطِطْ } وهي نهي عن الباطل وثالثها: قولهم: { واهدنا إلى سَوَاء الصراط } يعني يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق . وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق ، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب ، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال: { إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صحاب «الكشاف» { أَخِى } يدل من هذا أو خبر لقوله: { إن } والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى: { وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ الخلطاء } وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء .

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرىء { تِسْعٌ وَتِسْعُونَ } بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة وهي الأنثى من العقبان .

المسألة الثالثة: قال الليث: النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية ، والجمع النعجات ، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة .

المسألة الرابعة: قرأ عبد الله: { تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى } وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى: { وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } [ النحل: 51 ] ، ثم قال: { أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى الخطاب } قال صاحب «الكشاف» : { أَكْفِلْنِيهَا } حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي { وَعَزَّنِى } غلبني ، يقال عزه يعزه ، والمعنى جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أورده به ، وقرىء وعازني من المعازة ، وهي المغالبة ، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل ، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت