{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } [ يوسف: 24 ] فنصل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام ، وذلك يدل على كذب الحشوية فيما ينسبون إلى يوسف عليه السلام من القبائح .
واعلم أن إبليس لما ذكر هذا الكلام قال الله تعالى: { فالحق والحق أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ منك وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة { فالحق } بالرفع { والحق } بالنصب ، والباقون بالنصب فيهما . أما الرفع فتقديره فالحق قسمي . وأما النصب فعلى القسم ، أي فبالحق ، كقولك والله لأفعلن . وأما قوله: { والحق أَقُولُ } انتصب قوله: { والحق } بقوله: { أَقُولُ } .
المسألة الثانية: قوله: { مِنكَ } أي من جنسك ، وهم الشياطين { وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } من ذرية آدم ، فإن قيل قوله: { أَجْمَعِينَ } تأكيد لماذا؟ قلنا: يحتمل أن يؤكد به الضمير في { مِنْهُمْ } ، أو الكاف في { مِنكَ } مع من تبعك ، ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحدًا .
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء الله من وجوه الأول: أنه تعالى قال في حق إبليس: { فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين } فهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا يؤمن ، فلو آمن لانقلب خبر الله الصدق كذبًا وهو محال ، فكان صدور الإيمان منه محالًا مع أنه أمر به والثاني: أنه قال: { فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } فالله تعالى علم منه أنه يغويهم ، وسمع منه هذه الدعوى ، وكان قادرًا على منعه عن ذلك ، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضيًا به ، فإن قالوا: لعل ذلك المنع مفسد ، قلنا: هذا قول فاسد ، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال ، ويخلص بني آدم عن الضلال ، وهذا عين المصلحة الثالث: أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة ، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق الله تعالى الرابع: أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين ، وأن يميت إبليس والشياطين ، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد الخامس: أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان ، يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة على أنهم لا يؤمنون ألبتة ، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، والله أعلم .