هذا تمام كلام القاضي ، فيقال له: أما قولك إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 48 ] وقال: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } [ الرعد: 6 ] أي حال ظلمهم كما يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أي حال كونه آكلًا وشاربًا ، وقال: { ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } [ الزمر: 53 ] ، وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح ، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلًا ، وهذا مذهب البغداديين من المعتزلة ، وأنت لا تقول به ، لأن مذهب البصريين أن عذاب المذنب جائز عقلًا ، وأيضًا فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة ، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد ، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب ألبتة . ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة ، فأما في حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فقطع بحصول المغفرة في الجملة ، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلًا فلا يكون الإغراء حاصلًا ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء الدين بالرفع ، ثم قال: وحق من رفعه أن يقرأ مخلصًا بفتح اللام لقوله تعالى: { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } [ النساء: 146 ] حتى يطابق قوله: { أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص } والخالص والمخلص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر ، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال: { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، وعلى هذا التقدير فخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون ، واعلم أن الضمير في قوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله ، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء ، أما العقلاء فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيزًا والملائكة ، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة ، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام ، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء ، أما بغير العقلاء فلا يليق ، وبيانه من وجهين الأول: أن الضمير في قوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ } ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله ، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله ، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله ، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر ، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية ، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا ، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها .