فهرس الكتاب

الصفحة 6246 من 8321

واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال: { أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } وفي ذلك دقيقة عجيبة ، وهي أن حصول الهداية في العقل والروح أمر حادث ، ولا بد له من فاعل وقابل: أما الفاعل فهو الله سبحانه وهو المراد من قوله: { أولئك الذين هداهم الله } وأما القابل فإليه الإشارة بقوله: { وأولئك هم أولوا الألباب } فإن الإنسان ما لم يكن عاقلًا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقية في قلبه . وإنما قلنا إن الفاعل لهذه الهداية هو الله ، وذلك لأن جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل ، وإذا كان الشيء قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع كون ذلك القابل سببًا لرجحان أحد الطرفين ، ألا ترى أن الجسم لما كان قابلا للحركة والسكون على السوية ، امتنع أن تصير ذات الجسم سببًا لرجحان أحد الطرفين على الآخر ، فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل يوجب هذا الرجحان ، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد الطرفين ، فتصير تلك الإرادة سببًا لذلك الرجحان ، فنقول هذا باطل ، لأن ذات النفس كما أنها قابلة لهذه الإرادة ، فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادة لتلك الإرادة ، فيمتنع كون جوهر النفس سببًا لتلك الإرادة ، فثبت أن حصول الهداية لا بد لها من فاعل ومن قابل أما الفاعل: فيمتنع أن يكون هو النفس ، بل الفاعل هو الله تعالى وأما القابل: فهو جوهر النفس ، فلهذا السبب قال: { أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } ثم قال { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال: { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب } ولا يصح في الكلام العربي أن يدخل حرف الاستفهام على الاسم وعلى الخبر معًا ، فلا يقال أزيد أتقتله ، بل ههنا شيء آخر ، وهو أنه كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء ، فكذلك دخل حرف الفاء عليهما معًا وهو قوله: { أَفَمَنْ حَقَّ } ، { أَفَأَنتَ تُنقِذُ } ولأجل هذا السؤال اختلف النحويون وذكروا فيه وجوهًا الأول: قال الكسائي: الآية جملتنا والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب ، أفأنت تحميه ، أفأنت تنقذ من في النار الثاني: قال صاحب «الكشاف» : أصل الكلام أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، وهي جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب والتقدير أأنت مالك أمرهم ، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد ، ووضع من في النار موضع الضمير ، والآية على هذا جملة واحدة الثالث: لا يبعد أن يقال إن حرف الاستفهام إنما ورد ههنا لإفادة معنى الإنكار ، ولما كان استنكاره هذا المعنى كاملًا تامًا . لا جرم ذكر هذا الحرف في الشرط وأعاده في الجزاء تنبيهًا على المبالغة التامة في ذلك الإنكار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت