وقوله: { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات } [ آل عمران: 7 ] يدل على كون البعض متشابهًا دون البعض . وأما كونه كله متشابهًا كما في هذه الآية ، فقال ابن عباس: معناه أنه يشبه بعضه بعضًا ، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها: أن الكاتب البليغ إذا كتب كتابًا طويلًا ، فإنه يكون بعض كلماته فصيحًا ، ويكون البعض غير فصيح ، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه وثانيها: أن الفصيح إذا كتب كتابًا في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتابًا آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول ، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة وثالثها: أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضًا ويؤكد بعضها بعضًا ورابعها: أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله ، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه ، فهذا هو المراد من كونه متشابهًا ، والله الهادي .
الصفة الثالثة: من صفات القرآن كونه مثَاني وقد بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى: { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني } [ الحجر: 87 ] وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل: الأمر والنهي ، والعام والخاص ، والمجمل والمفصل ، وأحوال السموات والأرض ، والجنة والنار ، والظلمة والضوء ، واللوح والقلم ، والملائكة والشياطين ، والعرش والكرسي ، والوعد والوعيد ، والرجاء والخوف ، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه .
الصفة الرابعة: من صفات القرآن قوله: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: معنى { تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ } تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف ، قال المفسرون: والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله ، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا: السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا ، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا ، ويجب علينا أن نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير ، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة . فهنا يقشعر جلده ، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ، مما يصعب تصوره فههنا تقشعر الجلود ، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فردًا أحدًا ، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله . وأيضًا إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم في ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضًا بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة ، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن ، فإذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء ، لأن كل ما استحضرته في فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية ، فههنا يتحير العقل ويقشعر الجلد ، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال ههنا موجود والموجود إما واجب وإما ممكن ، فإن كان واجبًا فهو دائمًا منزه عن الأول والآخر وإن كان ممكنًا فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزليًا أبديًا ، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله ، فثبت أن المقامين المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة ، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين المذكورتين .