المسألة الثالثة: اللام في «الحجر» إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعًا له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلًا ، وقيل أهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به ، فقال له جبريل: يقول الله تعالى: ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته ، وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن: لم يأمروه أن يضرب حجرًا بعينه . قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ، وروي أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجرًا في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس ، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشًا . فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة ، وكلمها تطعك ، واختلفوا في صفة الحجر فقيل: كان من رخام وكان ذراعًا في ذراع ، وقيل: مثل رأس الإنسان . والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى .
المسألة الرابعة؛ الفاء في قوله: { فانفجرت } متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت . بقي هنا سؤالات:
السؤال الأول: هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف؟ الجواب: لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل: إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء ، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصيًا ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثًا ، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره: فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى: { فانفلق } [ الشعراء: 63 ] من أن المراد فضرب فانفلق .
السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر ههنا: { فانفجرت } وفي الأعراف: { فانبجست } [ الأعراف: 16 ] وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلًا . الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: الفجر الشق في الأصل ، والانفجار الانشقاق ، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق ، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل ، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص ، فلا يتناقضان ، وثانيها: لعله انبجس أولًا ، ثم انفجر ثانيًا ، وكذا العيون: يظهر الماء منها قليلًا ثم يكثر لدوام خروجه . وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيرًا ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلًا .