فهرس الكتاب

الصفحة 6260 من 8321

ثم قال: { وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره ، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع . والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب ، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب ، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } والمقصود ظاهر ، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة ، ودلت أيضًا على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ } مشعر بالتعليل ، وقوله في آخر الآية: { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } مشعر بالتعليل أيضًا ، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم ، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن ، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء ، فقال: { قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه الأول: أن قوله: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر ، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثًا ، فإن القديم هو الذي يكون موجودًا في الأزل ، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا ، والثاني: أنه وصفه بكونه عربيًا وإنما كان عربيًا لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم ، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم كان مخلوقًا محدثًا الثالث: أنه وصفه بكونه قرآنًا والقرآن عبارة عن القراءة والقراءة مصدر والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلًا ومفعولًا والجواب: أنا نحمل كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات وهي حادثة ومحدثة .

المسألة الثانية: قال الزجاج قوله: { عَرَبِيًّا } منصوب على الحال والمعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح .

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة أولها: كونه قرآنًا ، والمراد كونه متلوًا في المحاريب إلى قيام القيامة ، كما قال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] ، وثانيها: كونه عربيًا والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال: { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [ الإسراء: 88 ] وثالثها: كونه غير ذي عوج والمراد براءته عن التناقض ، كما قال: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ] وأما قوله: { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } فالمعتزلة يتمسكون به في تعليل أحكام الله تعالى .

وفيه بحث آخر: وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى: { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } وقال في هذه الآية: { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء ، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه ، حصل الاتقاء والاحتراز ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت