فهرس الكتاب

الصفحة 6285 من 8321

المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية قوله { والأرض } المراد منه الأرضون السبع ، ويدل عليه وجوه الأول: قوله { جَمِيعًا } فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله { كُلُّ الطعام } [ آل عمران: 93 ] وقوله تعالى: { أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء } [ النور: 31 ] وقوله تعالى: { والنخل باسقات } [ ق: 10 ] وقوله تعالى: { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العصر: 2 ، 3 ] فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا ههنا والثاني: أنه قال بعده { والسماوات مطويات } فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث: أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة ، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض ، قال تعالى: { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول } [ طه: 96 ] والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف ، ويقال أيضًا أعطني قبضة من كذا ، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، والمعنى والأرضون جميعًا قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته ، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته ، أما إذا أُريد معنى القبضة ، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب ، قلنا جعل القبضة ظرفًا وقوله { مطويات } من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: { يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل } [ الأنبياء: 104 ] وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه ، ثم قال صاحب الكشاف: وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى ، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جدًا ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل ، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟ مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى الله تعالى ، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء ، فأما تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلًا ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت