فهرس الكتاب

الصفحة 6296 من 8321

الثاني: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل ، وليس بواجب على الله ، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلًا للتوب على سبيل المدح والثناء ، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل ، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات .

الصفة الثالثة: قوله { شَدِيدُ العقاب } وفيه مباحث:

البحث الأول: في هذه الآية سؤال وهو أن قوله { شَدِيدُ العقاب } يصلح أن يكون نعتًا للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتًا للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش ، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش ، وقوله الله اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفًا للنكرة؟ قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غدًا ، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه ، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش ، وأما { شَدِيدُ العقاب } فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة ، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه الأول: أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله { وَهُوَ الغفور الودود * ذُو العرش المجيد * فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ البروج: 14 16 ] والثاني: قال الزجاج إن خفض { شَدِيدُ العقاب } على البدل ، لأن جعل النكرة بدلًا من المعرفة وبالعكس أمر جائز ، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلًا من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث: أنه لا نزاع في أن قوله { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب } يحسن جعلهما صفة ، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار ، فكذلك قوله { شَدِيدُ العقاب } يفيد معنى الدوام والاستمرار ، لأن صفات الله تعالى منزّهة عن الحدوث والتجدد ، فكونه { شَدِيدُ العقاب } معناه كونه بحيث يشتد عقابه ، وهذا المعنى حاصل أبدًا ، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك ، فهذا ما قيل في هذا الباب .

البحث الثاني: هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل ، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب ، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة ، وهو قوله { ذِى الطول } ، فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقًا بتينك الصفتين وملحوقًا بهذه الصفة ، دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح .

البحث الثالث: لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب } ولم يذكرها في قوله { شَدِيدُ العقاب } فما الفرق؟ قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب } لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب ، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال ، لأن عطف الشيء على نفسه محال ، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب } فاستغنى به عن ذكر الواو .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت