{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } [ البقرة: 28 ] والمراد من قوله { وَكُنتُمْ أمواتا } الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما: إيجاد الشيء ميتًا والثاني: تصيير الشيء ميتًا بعد أن كان حيًا كقولك وسع الخياط ثوبي ، يحتمل أنه خاطه واسعًا ويحتمل أنه صيره واسعًا بعد أن كان ضيقًا ، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة ، ولا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية .
السؤال الثاني: أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة .
السؤال الثالث: أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر ، وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا ، وثانيها: في القبر ، وثالثها: في القيامة ، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط ، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا .
السؤال الرابع: أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فههنا ما يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول ، أما المنقول فمن وجوه الأول: قوله تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } [ الزمر: 9 ] فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة ، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلًا ، ولو كان الأمر كذلك لذكره ، ولما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني: أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى } [ الصافات: 58 ، 59 ] ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين ، وذلك على خلاف قوله { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى } قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها ، لأنه الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التي تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار .
وأما المعقول فمن وجوه الأول: وهو أن الذي افترسته السباع وأكلته لو أعيد حيًا لكان إما أن يعاد حيًا بمجموعة أو بأحاد أجزائه ، والأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع ، والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع ، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها ، وذلك في غاية الاستبعاد . الثاني: أن الذي مات لو تركناه ظاهرًا بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقيًا على موته ، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حيًا لكان هذا تشكيكًا في المحسوسات ، وإنه دخول في السفسطة ( والجواب ) قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة؟ فنقول هذا لا يجوز ، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلًا قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف قوله { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا } لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتًا وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها ، لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين ، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق .