فهرس الكتاب

الصفحة 6335 من 8321

المسألة الثانية: اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السماء أم لا؟ أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك ، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح ، والذي عندي أنه بعيد والدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من المجانين أو كان من العقلاء ، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه ، لأن العقل شرط في التكليف ، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن ، وأما إن قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي ، ويعلم أيضًا ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال ، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء ، وإذا كان فساد هذا معلومًا بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون ، والذي عندي في تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئًا نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله ، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجودًا لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه ، ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السموات { قَالَ ياهامان ابن لِى صَرْحًا لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب } والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعًا ، ونظيره قوله تعالى: { فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية } [ الأنعام: 35 ] وليس المراد منه أن محمدًا A طلب نفقًا في الأرض أو وضع سلمًا إلى السماء ، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود ، فكذا ههنا غرض فرعون من قوله { ياهامان ابن لِى صَرْحًا } يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعًا ، فحينئذٍ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت