أما قوله تعالى: { عِندَ رَبّهِمْ } فليس المراد العندية المكانية ، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم .
وأما قوله تعالى: { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فقيل: أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب ، وهذا أصح لأن قوله: { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } عام في النفي ، وكذلك: { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصًا في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن ، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة ، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خاليًا عن الخوف والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائمًا لأنهم لو جوزوا كونه منقطعًا لاعتراهم الحزن العظيم . فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى مَنْ ءامَنَ بالله واليوم االآخر وعَمِلَ صالحا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يحزنون } [ المائدة: 69 ] وفي سورة الحج: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كل شىء شهيد } [ الحج: 17 ] فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع «الصابئين» في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟ والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد ، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم ، والله أعلم .