فهرس الكتاب

الصفحة 6377 من 8321

{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } [ الأحزاب: 72 ] وهذا يدل على كونها عارفة بالله ، مخصوصة بتوجيه تكاليف الله عليها ، والإشكال عليه أن يقال: المراد من قوله { ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة ، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال: يا موجود كن موجودًا ، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة ، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب ، فلم يجز توجيه الأمر عليها ، فإن قال قائل: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها ، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله { أَتَيْنَا طَائِعِينَ } حدوثهما في ذاتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعًا فيهما ، إلا أن هذا الكلام باطل ، لأنه تعالى قال: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ } والفاء للتعقيب ، وذلك يدل على أن حدوث السموات إنما حصل بعد قوله { ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث .

القول الثاني: أن قوله تعالى: { قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع ، ونظيره قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال الوتد: أسأل من يدقني ، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي .

واعلم أن هذا عدول عن الظاهر ، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذ قام دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، وقد بينا أن قوله { ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } إنما حصل قبل وجودهما ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله { ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } على الأمر والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرنا .

واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما ، وهذا يدل على أنه تعالى أسكن هذه السموات الملائكة ، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء ، وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع السموات ، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات ، ثم إنه تعالى أسكنهم فيها ، وأيضًا ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها ، وهذه الأسرار لا تليق بعقول البشر ، بل هي أعلى من مصاعد أفهامهم ومرامي أوهامهم ، ثم قال: { وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح } وهي النيرات التي خلقها في السموات ، وخص كل واحد بضوء معين ، وسر معين ، وطبيعة معينة ، لايعرفها إلا الله ، ثم قال: { وَحِفْظًا } يعني وحفظناها حفظا ، يعني من الشياطين الذين يسترقون السمع ، فأعد لكل شيطان نجمًا يرميه به ولا يخطئه ، فمنها ما يحرق ، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلًا ، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول A عن خلق السموات والأرض فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت