فهرس الكتاب

الصفحة 6380 من 8321

واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام ، وقوله { أُرْسِلْتُمْ بِهِ } ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأنبياء رسلًا ، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء: 27 ] . روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلًا عالمًا بالشعر والسحر والكهانة فكلمه ، ثم أتانا ببيان عن أمره ، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علمًا وما يخفى علي ، فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ لم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك للواء فكنت رئيسنا ، وإن تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ، أي بنات من شئت من قريش ، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به ، ورسول الله A ساكت ، فلما فزع قال: بسم الله الرحمن الرحيم { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } إلى قوله { صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ } فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلم احتبس عنهم قالوا ، لا نرى عتبة إلا قد صبأ ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت: فغضب وأقسم لا يكلم محمدًا أبدًا ، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب .

واعلم أنه تعالى لما بيّن كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بيّن خاصية كل واحدة من هاتين الطائفتين فقال: { فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق } وهذالاستكبار فيه وجهان الأول: إظهارالنخوة والكبر ، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني: الاستعلاء على الغير واستخدامهم ، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالو { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة ، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم ، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم ، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل ، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى ، خاضعين لأوامره ونواهيه .

واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة لله ، فقالوا القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله { الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } يدل على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت