فهرس الكتاب

الصفحة 6395 من 8321

المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو الأولى أن يقول أنا مسلم إن شاء الله ، فالقائلون بالقول الأول احتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن أحسن قولًا ممن قال إني من المسلمين ، فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال ، ولو كان قولنا إن شاء الله معتبرًا في كونه أحسن الأقوال لبطل ما دل عليه ظاهر هذه الآية .

المسألة الخامسة: الآية تدل على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ثلاثة أولها: الدعوة إلى الله وثانيها: العمل الصالح وثالثها: أن يكون من المسلمين ، أما الدعوة إلى الله فقد شرحناها وهي عبارة عن الدعوة إلى الله بإقامة الدلائل اليقينية والبراهين القطعية .

وأما قوله { وَعَمِلَ صالحا } فاعلم أن العمل الصالح إما أن يكون عمل القلوب وهو المعرفة ، أو عمل الجوارح وهو سائر الطاعات .

وأما قوله { وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين } فهو أن ينضم إلى عمل القلب وعمل الجوارح الإقرار باللسان ، فيكون هذا الرجل موصوفًا بخصال أربعة أحدها: الإقرار باللسان ، والثاني: الأعمال الصالحة بالجوارح والثالث: الاعتقاد الحق بالقلب والرابع: الاشتغال بإقامة الحجة على دين الله ، ولا شك أن الموصوف بهذه الخصال الأربعة أشرف الناس وأفضلهم ، وكمال الدرجة في هذه المراتب الأربعة ليس إلا لمحمد A .

ثم قال تعالى: { وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة } وعلم أنا بينا أن الكلام من أول السورة ابتدىء من أن الله حكى عنهم أنهم قالوا { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [ فصلت: 5 ] فأظهروا من أنفسهم الإصرار الشديد على أديانهم القديمة وعدم التأثر بدلائل محمد A ، ثم إنه تعالى أطنب في الجواب عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردفها بالوعد والوعيد ، ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم { لا تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } [ فصلت: 26 ] وأجاب عنها أيضًا بالوجوه الكثيرة ، ثم إنه تعالى بعد الإطناب في الجواب عن تلك الشبهات رغب محمدًا A في أن لا يترك الدعوة إلى الله فابتدأ أولًا بأن قال: { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } فلهم الثواب العظيم ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى وهي أن الدعوة إلى الله من أعظم الدرجات ، فصار الكلام من أول السورة إلى هذا الموضع واقعًا على أحسن وجوه الترتيب ، ثم كأن سائلًا سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن كانت طاعة عظيمة ، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا به ، فعند هذا ذكر الله ما يصلح لأن يكون دافعًا لهذا الإشكال فقال: { وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة } والمراد بالحسنة دعوة الرسول A إلى الدين الحق ، والصبر على جهالة الكفار ، وترك الانتقام ، وترك الالتفات إليهم ، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة في قولهم { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } وما ذكروه في قولهم { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم سيئة ، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجبًا للتعظيم في الدنيا والثواب في الآخرة ، وهم بالضد من ذلك ، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على تلك السيئة مانعًا لك من الاشتغال بهذه الحسنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت