فهرس الكتاب

الصفحة 6398 من 8321

ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده { فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأمُونَ } وفيه سؤالات:

السؤال الأول: إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن يحصل لنا أهلية عبودية الله تعالى ، ولكنا عبيد للشمس وهما عبدان لله ، وإذا كان قول هؤلاء هكذا ، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله؟ والجواب: ليس المراد من لفظ الاستكبار ما ذكرتم ، بل المراد فإن استكبروا عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر .

السؤال الثاني: أن المشبهة تمسكوا بقوله { فالذين عِندَ رَبّكَ } في إثبات المكان والجهة لله تعالى والجواب: أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا ، ولا يراد به قرب المكان . فكذا ههنا . ويدل عليه قوله « أنا عند ظن عبدي بي وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي في مقعد صدق عند مليك مقتدر » ويقال عند الشافعي Bه إن المسلم لا يقتل بالذمي .

السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؟ الجواب: نعم ، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون ، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه ، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون .

السؤال الرابع: قال ههنا في صفة الملائكة { يَسْبَحُونَ له بالليل والنهار } فهذا يدل على أنهم مواظبون على التسبيح ، لا ينفكون عنه لحظة واحدة ، واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال: { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ } [ الشعراء: 193 ، 194 ] وقال: { وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } [ الحجر: 51 ] وقوله تعالى: { عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } [ التحريم: 6 ] الجواب: إن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة وهم الأشراف الأكابر منهم ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم عنده ، والمراد من هذه العندية كمال الشرف والمنقبة ، وهذا لا ينافي كون طائفة أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال ، فإن قالوا هب أن الأمر كذلك إلا أنهم لا بد وأن يتنفسوا ، فاشتغالهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر الله تعالى سبب لصلاح حالهم في حياتهم ، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس أحوال الملائكة في صفاء جوهرها وإشراق ذواتها واستغراقها في معارج معارف الله بأحوال البشر ، فإن بين الحالتين بعد المشرقين .

ثم قال تعالى: { وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة } .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الآيات الأربع الفلكية وهي الليل والنهار والشمس والقمر ، أتبعها بذكر آية أرضية فقال: { وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة } والخشوع التذلل والتصاغر ، واستعير هذا اللفظ لحال الأرض حال خلوها عن المطر والنبات { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ } أي تحركت بالنبات ، وربت: انتفخت لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ، ثم تصدعت عن النبات ، ثم قال: { إِنَّ الذي أحياها لَمُحيي الموتى } يعني أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد بعد موتها ، وقد ذكرنا تقرير هذا الدليل مرارًا لا حصر لها ، ثم قال: { إِنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وهذا هو الدليل الأصلي وتقريره إن عودة التأليف والتركيب إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته ، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك الاْجزاء بعد اجتماعها أيضًا أمر ممكن لذاته ، والله تعالى قادر على الممكنات ، فوجب أن يكون قادرًا على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل والفهم إلى تلك الأجزاء ، وهذا يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا امتناع فيه ألبتة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت