فهرس الكتاب

الصفحة 6415 من 8321

{ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [ الشورى: 6 ] أي لا يكن في قدرتك أن تحملهم على الإيمان ، فلو شاء الله ذلك لفعله لأنه أقدر منك ، ولكنه جعل البعض مؤمنًا والبعض كافرًا ، فقوله { يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ } يدل على أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة ، وقوله { والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يعني أنه تعالى ما أدخلهم في رحمته ، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته ، لأنه كان لهم ولي ونصير أدخلهم في تلك الرحمة ، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في رحمته .

ثم قال تعالى: { أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولًا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ، ثم قال بعده لمحمد A لست عليهم رقيبًا ولا حافظًا ، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا ، فإن هذا المعنى لو كان واجبًا لفعله الله ، لأنه أقدر منك ، ثم إنه تعالى أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار ، فإن قوله { أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } استفهام على سبيل الإنكار .

ثم قال تعالى: { فالله هُوَ الولي } والفاء في قوله { فالله هُوَ الولي } جواب شرط مقدر ، كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه ، لأنه يحيي الموتى وهو على كل شيءً قدير ، فهو الحقيق بأن يتخذ وليًا دون من لا يقدر على شيء .

ثم قال: { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول A أن يحمل الكفار على الإيمان قهرًا ، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخصومات والمنازعات فقال: { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله } وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين ، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول A ، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته ، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل بتكليفكم ، ولا طريق لكم إلى عمله كحقيقة الروح ، فقولوا الله أعلم به ، قال تعالى: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي } [ الإسراء: 85 ] .

المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه قال: قل يا محمد { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله } والدليل عليه قوله تعالى: { ذَلِكُمُ الله رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } .

المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى: { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله } إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه ، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص الله عليه ، والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأول ، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل بالقياس ، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان الله تعالى ، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف ، والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه ، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت