واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه «بالتوحيد» ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأنه كان رجلًا مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقص العقل ، فقال: « نحن نثبت لله وجهًا ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ، ونقول إن لبني آدم وجوهًا كتب الله عليها الهلاك والفناء ، ونفى عنها الجلال والإكرام ، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهًا وللخنازير والقردة والكلاب وجوهًا ، لكان قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب . ثم قال: ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء ، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه » .
وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب « أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة ، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهًا فكذا ههنا » ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء فالأول: أنه تعالى قال في هذه الآية { وَهُوَ السميع البصير } وقال في حق الإنسان { فجعلناه سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان: 2 ] ، الثاني: قال: { وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } [ التوبة: 105 ] وقال في حق المخلوقين { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير مسخرات فِى جَوّ السمآء } [ النحل: 79 ] الثالث: قال: { واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } [ هود: 37 ] { واصبر لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [ الطور: 48 ] وقال في حق المخلوقين { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع } [ المائدة: 83 ] الرابع: قال لإبليس { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص: 75 ] وقال: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [ المائدة: 64 ] وقال: في حق المخلوقين { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } [ آل عمران: 182 ] ، { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج: 10 ] { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ] الخامس: قال تعالى: { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه: 5 ] وقال في الذين يركبون الدواب { لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ } [ الزخرف: 13 ] وقال في سفينة نوح { واستوت عَلَى الجودى } [ هود: 44 ] ، السادس: سمى نفسه عزيزًا فقال: { العزيز الجبار }