المسألة الثانية: قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلًا قبول التوبة ، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل ، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، ولو كان ذلك القبول واجبًا لما حصل التمدح العظيم ، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلمًا ولا يقتلهم غضبًا ، كان ذلك مدحًا قليلًا ، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب عليَّ كان ذلك مدحًا وثناءً .
المسألة الثالثة: قوله تعالى: { وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة ، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر ، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة ، والأول باطل وإلا لصار قوله { وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } عين قوله { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة } والتكرار خلاف الأصل ، والثاني أيضًا باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة .
ثم قال: { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة ، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته .
ثم قال: { وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } وفيه قولان أحدهما: الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه . والثاني: محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره ، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله { وَإِذَا كَالُوهُمْ } [ المطففين: 3 ] وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى: { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } وما بعدها قوله { وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ } فيزيد عطف على ويستجيب ، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله .
أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: أحدهما: ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني: يطيعونه فيما أمرهم به ، والاستجابة الطاعة .
وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا ، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله ، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار؟ قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم ، وذلك لا يليق بالكفار ، وقيل يجوز على بعض الوجوه ، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف ، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج ، ثم قال: { وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ } أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء { والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } والمقصود التهديد .