فهرس الكتاب

الصفحة 6447 من 8321

ثم قال تعالى: { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيّ مّن بَعْدِهِ } أي فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه أي من بعد إضلال الله أياه ، وهذا صريح في جواز الإضلال من الله تعالى ، وفي أن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى ، قال القاضي المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولي من بعده ينصره والجواب: أن تقييد الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل ، وأيضًا فالله تعالى ما أضله عن الجنّة على قولكم بل هوأضل نفسه عن الجنة .

ثم قال تعالى: { وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } والمراد أنهم يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب ، ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال: { وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خاشعين مِنَ الذل } أي حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل ، ثم قال: { يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ } أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة كما ترى الذي يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل في نظره إلى المحبوبات ، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عميًا فكيف قال ههنا إنهم ينظرون من طرف خفي؟ قلنا لعلّهم يكونون في الابتداء هكذا ، ثم يجعلون عميًا أو لعلّ هذا في قوم ، وذلك في قوم آخرين ، ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: { وَقَالَ الذين ءامَنُواْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة } قال صاحب «الكشاف» : { يَوْمُ القيامة } إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعًا في الدنيا ، وإما أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة .

ثم قال: { أَلاَ إِنَّ الظالمين فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ } أي دائم قال القاضي ، وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى: { والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة: 254 ] والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية { وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مّن الله } والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار ثم قال: { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ } وذلك يدل على أن المضل والهادي هو الله تعالى على ما هو قولنا ومذهبنا ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت