فهرس الكتاب

الصفحة 6472 من 8321

واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في آية أخرى أنه قال: { الذى خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء: 78 ] وحكى عنه ههنا أنه قال: { سَيَهْدِينِ } فأجمع بينهما وقدر كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين ، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال { وَجَعَلَهَا } أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله { إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ } جاريًا مجرى لا إله وقوله { إِلاَّ الذي فَطَرَنِي } جاريًا مجرى قوله إلا الله فكان مجموع قوله { إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذي فَطَرَنِي } جاريًا مجرى قوله لا إله إلا الله ثم بيّن تعالى أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في عقبه أي في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم ، وقيل وجعلها الله ، وقرىء كلمة على التخفيف وفي عقيبه .

ثم قال تعالى: { بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَءَابَاءَهُمْ } يعني أهل مكة وهم عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد { حتى جَاءَهُمُ الحق } وهو القرآن { وَرَسُولٌ مُّبِينٌ } بين الرسالة وأوضحها بما معه من الآيات والبينات فكذبوا به وسموه ساحرًا وما جاء به سحرًا وكفروا به ، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء ولم يتفكروا في الحجة اغتروا بطول الإمهال وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق ، قال صاحب «الكشاف» : إن قيل ما وجه قراءة من قرأ متعت بفتح التاء؟ قلنا كأن الله سبحانه اعترض على ذاته في قوله { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد ، وأراد بذلك المبالغة في تعييرهم لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا ، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك إليه ، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعل نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت