المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي قراءة ابن عباس ، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون ، ومنهم من فرق ، أما القراءة بالضم فمن الصدود ، أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه ، وأما بالكسر فمعناه يضجون .
المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهامًا بهمزتين الثانية مطولة والباقون استفهامًا بهمزة ومدة .
ثم قال تعالى: { مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } مبالغون في الخصومة ، وذلك لأن قوله { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } لا يتناول الملائكة وعيسى ، وبيانه من وجوه الأول: أن كلمة ما لا تتناول العقلاء ألبتة والثاني: أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه ، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله ، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث: أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة الرابع: أن قوله { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه ، والخاص مقدم على العام .
المسألة الرابعة: القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { مَا يجادل فِى ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ } [ غافر: 4 ] أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء ، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق ، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل .
ثم قال تعالى: { إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } يعني ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر { وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ } لولدنا منك يا رجال { ملائكة فِي الأرض يخلفون } كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله متعالية عن ذلك { وإِنَّهُ } أي عيسى { لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } شرط من أشراطها تعلم به فسمي الشرط الدال على الشيء علمًا لحصول العلم به ، وقرأ ابن عباس: { لَعِلْمٌ } وهو العلامة وقرىء للعلم وقرأ أبي: لذكر ، وفي الحديث: