أما قوله تعالى: { فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } ففيه تأويلان: الأول: فافعلوا ما تؤمرون به من قولك: أمرتك الخير . والثاني: أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير . واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها ، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال ، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال ، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال . ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى: { قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها: { صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر ، وههنا سؤالان:
الأول: «فاقع» ههنا واقع خبرًا عن اللون فكيف يقع تأكيدًا لصفراء؟ الجواب: لم يقع خبرًا عن اللون إنما وقع تأكيدًا لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك: صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها .
السؤال الثاني: فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟ الجواب: الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده وجنون مجنون . وعن وهب: إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها .
أما قوله تعالى: { تَسُرُّ الناظرين } فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ، قال الحسن: الصفراء ههنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان: { كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ } [ المرسلات: 33 ] أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضًا السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما يقال: أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع ، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى: { قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } وههنا مسائل:
المسألة الأولى: قال الحسن عن رسول الله A أنه قال:"والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدًا"، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ولذلك قال الله تعالى لمحمد A: