فهرس الكتاب

الصفحة 6501 من 8321

{ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر } [ القدر: 1 ] وهاهنا قال: { إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة } فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر ، لئلا يلزم التناقض وثانيها: أنه تعالى قال: { شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن } [ البقرة: 185 ] فبيّن أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان ، وقال هاهنا { إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة } فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان ، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان ، قال إنها ليلة القدر ، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها: أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر { تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ * سلام هِيَ } [ القدر: 4 ، 5 ] وقال أيضًا ههنا { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وهذا مناسب لقوله { تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا } وههنا قال: { أَمْرًا مّنْ عِنْدِنَا } وقال في تلك الآية { بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ } وقال ههنا { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وقال في تلك الآية { سلام هِيَ } وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى ورابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» : عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، والتوراة لست ليال منه ، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه ، والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه ، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان ، والليلة المباركة هي ليلة القدر وخامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم ، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم ، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان ، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات ، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته ، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة ، ومعلوم أن منصب الدين أعلى وأعظم من منصب الدنيا ، وأعلى الأشياء وأشرفها منصبًا في الدين هو القرآن ، لأجل أن به ثبتت نبوّة محمد A ، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل في سائر كتب الله المنزّلة ، كما قال في صفته { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [ المائدة: 48 ] وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ، ودركات أرباب الشقاوات ، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدرًا وأعلى ذكرًا وأعظم منصبًا منه فلو كان نزوله إنما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر ، لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا الأولى ، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر التي وقعت في رمضان ، علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة ، وأما القائلون بأن المراد من الليلة المباركة المذكورة في هذه الآية ، هي ليلة النصف من شعبان ، فما رأيت لهم فيه دليلًا يعول عليه ، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس ، فإن صح عن رسول الله A فيه كلام فلا مزيد عليه ، وإلا فالحق هو الأول ، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء: الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة الرحمة ، وقيل إنما سميت بليلة البراءة ، وليلة الصك ، لأن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ، كذلك الله عزّ وجلّ يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة ، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال الأول: تفريق كل أمر حكيم فيها ، قال تعالى: { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } والثانية: فضيلة العبادة فيها ، قال رسول الله A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت