ثم قال: { كالمهل } قرىء بضم الميم وفتحها وسبق تفسيره في سورة الكهف ، وقد شبه الله تعالى هذا الطعام بالمهل ، وهو دردى الزيت وعكر القطران ومذاب النحاس وسائر الفلزات ، وتمّ الكلام ههنا ، ثم أخبر عن غليانه في بطون الكفار فقال: { يَغْلِي فِي البطون } وقرىء بالتاء فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الشجرة ، ومن قرأ بالياء حمله على الطعام في قوله { طَعَامُ الأثيم } لأن الطعام هو ( ثمر ) الشجرة في المعنى ، واختار أبو عبيد الياء لأن الاسم المذكور يعني المهل هو الذي بل الفعل فصار التذكير به أولى ، واعلم أنه لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل لأن المهل مشبه به ، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل كغلي الحميم والماء إذا اشتد غليانه فهو حميم .
ثم قال: { خُذُوهُ } أي خذوا الأثيم { فاعتلوه } قرىء بكسر التاء ، قال الليث: العتل أن تأخذ بمنكث الرجل فتعتله أي تجره إليك وتذهب به إلى حبس أو منحة ، وأخذ فلان بزمام الناقة يعتلها وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفًا ، وقال ابن السكيت عتلته إلى السجن وأعتلته إذا دفعته دفعًا عنيفًا ، هذا قول جميع أهل اللغة في العتل ، وذكروا في اللغتين ضم التاء وكسرها وهما صحيحان مثل يعكفون ويعكفون ، ويعرشون ويعرشون .
قوله تعالى: { إلى سَوَاء الجحيم } أي إلى وسط الجحيم { ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم } وكان الأصل أن يقال: ثم صبوا من فوق رأسه الحميم أو يصب من فوق رؤوسهم الحميم إلا أن هذه الاستعارة أكمل في المبالغة كأنه يقول: صبوا عليه عذاب ذلك الحميم ، ونظيره قوله تعالى: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } [ البقرة: 25 ] و { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان: 49 ] وذكروا فيه وجوهًا الأول: أنه يخاطب بذلك على سبيل الاستهزاء ، والمراد إنك أنت بالضد منه والثاني: أن أبا جهل قال لرسول الله A: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا والثالث: أنك كنت تعتز لا بالله فانظر ما وقعت فيه ، وقرىء أنك بمعنى لأنك .
ثم قال: { إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } أي أن هذا العذاب ما كنتم به تمترون أي تشكون ، والمراد منه ما ذكره في أول السورة حيث قال: { بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ } [ الدخان: 9 ] .