{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } [ الفتح: 1_ 2 ] إلى قوله { وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزًا عَظِيمًا } [ الفتح: 5 ] فبيّن تعالى ما يفعل به وبمن أتبعه ونسخت هذه الآية ، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين . وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن النبي A لا بد وأن يعلم من نفسه كونه نبيًا ومتى علم كونه نبيًا علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له ، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكًا في أنه هل هو مغفور له أم لا الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالًا من الأولياء ، فلما قل في هذا { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ الأحقاف: 13 ] فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكًا في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟ الثالث: أنه تعالى قال: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام: 124 ] والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى ، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكًا في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟ فثبت أن هذا القول ضعيف .
المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرىء { مَّا يُفْعَلُ } يفتح الياء أي يفعل الله عزّ وجلّ فإن قالوا { مَّا يَفْعَلُ } مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي وبكم؟ قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما يفعل بكم .
ثم قال تعالى: { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } يعني إني لا أقول قولًا ولا أعمل عملًا إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي A ما قال قولًا ولا عمل عملًا إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه ، فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول: قوله تعالى: { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } بيان الثاني: قوله تعالى: { واتبعوه } [ الأعراف: 158 ] وقوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } [ النور: 63 ] .
ثم قال تعالى: { وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل: { وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله سبحانه .