فهرس الكتاب

الصفحة 6575 من 8321

{ هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } [ الفتح: 4 ] فإذا آمن المكلف بمحمد بالبرهان وبالمعجزة وعمل صالحًا حمله علمه على أن يؤمن بكل ما قاله محمد ولم يجد في نفسه شكًا ، وللمؤمن في المرتبة الأولى أحوال وفي المرتبة الأخيرة أحوال ، أما في الإيمان بالله ففي الأول يجعل الله معبودًا ، وقد يقصد غيره في حوائجه فيطلب الرزق من زيد وعمر ويجعل أمرًا سببًا لأمر ، وفي الأخيرة يجعل الله مقصودًا ولا يقصد غيره ، ولا يرى إلا منه سره وجهره ، فلا ينيب إلى شيء في شيء فهذا هو الإيمان الآخر بالله وذلك الإيمان الأول .

وأما ما في النبي A فيقول أولًا هو صادق فيما ينطق ، ويقول آخر لا نطق له إلا بالله ، ولا كلام يسمع منه إلا وهو من الله ، فهو في الأول يقول بالصدق ووقوعه منه ، وفي الثاني يقول بعدم إمكان الكذب منه لأن حاكي كلام الغير لا ينسب إليه الكذب ولا يمكن إلا في نفس الحكاية ، وقد علم هو أنه حاك عنه كما قاله ، وأما في المرتبة الأولى فيجعل الحشر مستقبلًا والحياة العاجلة حالًا وفي المرتبة الأخيرة يجعل الحشر حالًا والحياة الدنيا ماضيًا ، فيقسم حياة نفسه في كل لحظة ، ويجعل الدنيا كلها عدمًا لا يلتفت إليها ولا يقبل عليها .

المسألة الرابعة: قوله { وآمَنوا بما نُزِّلَ على محمد } هو في مقابلة قوله في حق الكافر { وَصُدُّواْ } [ محمد: 1 ] لأنا بينا في وجه أن المراد بهم صدوا عن اتباع محمد A ، وهذا حث على اتباع محمد A ، فهم صدوا أنفسهم عن سبيل الله ، وهو محمد عليه السلام وما أنزل عليه ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على اتباع سبيله ، لا جرم حصل لهؤلاء ضد ما حصل لأولئك ، فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء .

المسألة الخامسة: قوله تعالى: { وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ } هل يمكن أن يكون من ربهم وصفًا فارقًا ، كما يقال رأيت رجلًا من بغداد ، فيصير وصفًا للرجل فارقًا بينه وبين من يكون من الموصل وغيره؟ نقول لا ، لأن كل ما كان من الله فهو الحق ، فليس هذا هو الحق من ربهم ، بل قوله { مّن رَّبّهِمُ } خبر بعد خبر ، كأنه قال وهو الحق وهو من ربهم ، أو إن كان وصفًا فارقًا فهو على معنى أنه الحق النازل من ربهم لأن الحق قد يكون مشاهدًا ، فإن كون الشمس مضيئة حق وهو ليس نازل من الرب ، بل هو علم حاصل بطريق يسره الله تعالى لنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت