وخامسها: تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود ، وسادسها: أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء ، وهو المراد من قوله تعالى: { كذلك يُحْيىِ الله الموتى } [ البقرة: 73 ] إذا عرفت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه ، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم ، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة ، فقال تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وههنا مسائل:
المسألة الأولى: في قوله تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وجهان: الأول: وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي A خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم ، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة ، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية . الثاني: وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين . قال القاضي: وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها ، فصح أن يقول تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحًا فلا وجه لترك الظاهر .
المسألة الثانية: المراد بقوله: { أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع .
المسألة الثالثة: ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهًا . أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام ، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل ، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين . الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك ، بل غيره وبدله . الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه .
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله . فما الفائدة في قوله: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } [ العنكبوت: 26 ] الجواب: أنه يكون إقرارًا لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى: { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } لما أقر بنبوته وبتصديقه ، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة .
أما قوله تعالى: { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } فقد اختلفوا في ذلك الفريق ، منهم من قال: المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله . والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات ، ومنهم من قال: بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد E ، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى: { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد E . فإن قيل: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات ، قلنا: لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال: إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن .