فهرس الكتاب

الصفحة 6665 من 8321

إحداها: أن بالأول حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من كلام النبي A وصوته ، ولقائل أن يقول فما منعت من المساواة فقال تعالى: ولا تجهروا له كما تجهرون لأقرانكم ونظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا .

والثانية: أن هذا أفاد أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي عليه السلام كما يتكلم العبد عند سيده ، لأن العبد داخل تحت قوله { كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } لأنه للعموم فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي A كما يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض ، لا يقال المفهوم من هذا النمط أن لا تجعلوه كما يتفق بينكم ، بل تميزوه بأن لا تجهروا عنده أبدًا وفيما بينكم لا تحافظون على الاحترام ، لأنا نقول ما ذكرنا أقرب إلى الحقيقة ، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: { النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } [ الأحزاب: 6 ] والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده ، ويجب البذل للنبي A ، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه في التهلكة لإنجاء سيده ، ويجب لإنجاء النبي E ، وقد ذكرنا حقيقته عند تفسير الآية ، وأن الحكمة تقتضي ذلك كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره ، لأن عند خلل القلب مثلًا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي E لهلك هو أيضًا بخلاف العبد والسيد .

الفائدة الثانية: أن قوله تعالى: { لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم } لما كان من جنس { لا تَجْهَرُواْ } لم يستأنف النداء ، ولما كان هو يخالف التقدم لكون أحدهما فعلًا والآخر قولًا استأنف كما في قول لقمان { يا بني لا تشرك } [ لقمان: 13 ] وقوله { يا بني أقم الصلاةَ } [ لقمان: 17 ] لكون الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح ، وقوله { يابُنَيَّ أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر } من غير استئناف النداء لأن الكل من عمل الجوارح .

واعلم أنا إن قلنا المراد من قوله { لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم } أي لا تكثروا الكلام فقوله { وَلاَ تَجْهَرُواْ } يكون مجازًا عن الإتيان بالكلام عن النبي A بقدر ما يؤتى به عند غيره ، أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل ، وكذلك إن قلنا المراد بالرفع الخطاب فالمراد بقوله { لا تَجْهَرُواْ } أي لا تخاطبوه كما تخاطبون غيره وقوله تعالى: { أَن تَحْبَطَ أعمالكم } فيه وجهان مشهوران: أحدهما: لئلا تحبط والثاني: كراهة أن تحبط ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت