المسألة الخامسة: قال تعالى: { اقتتلوا } ولم يقل: يقتتلوا ، لأن صيغة الاستقبال تنبىء عن الدوام والاستمرار ، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا ، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبىء عن ذلك ، يقال فلان يتهجد ويصوم .
المسألة السادسة: قال: { اقتتلوا } ولم يقل اقتتلا ، وقال: { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } ولم يقل بينهم ، ذلك لأن عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة ، وكل أحد برأسه يكون فاعلًا فعلًا ، فقال: { اقتتلوا } وعند العود إلى الصلح تتفق كلمة كل طائفة ، وإلا لم يكن يتحقق الصلح فقال: { بَيْنَهُمَا } لكون الطائفتين حينئذ كنفسين .
ثم قال تعالى: { فَإِن بَغَتْ إِحَدَاهُمَا } إشارة إلى نادرة أخرى وهي البغي ، لأنه غير متوقع ، فإن قيل كيف يصح في هذا الموضع كلمة { إن } مع أنها تستعمل في الشرط الذي لا يتوقع وقوعه ، وبغي أحدهما عند الاقتتال لا بد منه ، إذ كل واحد منهما لا يكون محسنًا ، فقوله { إن } تكون من قبيل قول القائل: إن طلعت الشمس ، نقول فيه معنى لطيف ، وهو أن الله تعالى يقول: الاقتتال بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع ، وهو كما تظن كل طائفة أن الأخرى فيها الكفر والفساد ، فالقتال واجب كما سبق في الليالي المظلمة ، أو يقع لكل واحد أن القتال جائز بالاجتهاد ، وهو خطأ ، فقال تعالى: الاقتتال لا يقع إلا كذا ، فإن بان لهما أو لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر ، وعند ذلك يكون قد بغى فقال: { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى } يعني بعد استبانة الأمر ، وحينئذ فقوله { فَإِن بَغَتْ } في غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة الوقوع ، وفيه أيضًا مباحث الأول: قال: { فَإِن بَغَتْ } ولم يقل فإن تبغ لما ذكرنا في قوله تعالى: { اقتتلوا } ولم يقل يقتتلوا الثاني: قال: { حتى تَفِيء } إشارة إلى أن القتال ليس جزاء للباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك الشرب ، بل القتال إلى حد الفيئة ، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم الثالث: هذا القتال لدفع الصائل ، فيندرج فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة من إحداهما ، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البغي الذي لأجله حلَّ القتال الرابع: هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمنًا لأن الباغي جعله من إحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين الخامس: قوله تعالى: { إلى أَمْرِ الله } يحتمل وجوهًا أحدها: إلى طاعة الرسول وأولي الأمر لقوله تعالى: { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ }