فهرس الكتاب

الصفحة 6696 من 8321

المسألة الثالثة: قوله تعالى: { ولكن قُولُواْ } يقتضي قولًا سابقًا مخالفًا لما بعده ، كقولنا لا تقدموا آمنا ولكن قولوا أسلمنا وفي ترك التصريح به إرشاد وتأديب كأنه تعالى لم يجز النهي عن قولهم { آمنا } فلم يقل لا تقولوا آمنا وأرشدهم إلى الامتناع عن الكذب فقال: { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } فإن كنتم تقولون شيئًا فقولوا أمرًا عامًا ، لا يلزم منه كذبكم وهو كقولهم { أَسْلَمْنَا } فإن الإسلام بمعنى الانقياد حصل .

المسألة الرابعة: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة ، فكيف يفهم ذلك مع هذا؟ نقول بين العام والخاص فرق ، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب وقد يحصل باللسان ، والإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ولا يكون أمرًا آخر غيره ، مثاله الحيوان أعم من الإنسان لكن الحيوان في صورة الإنسان ليس أمرًا ينفك عن الإنسان ولا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيوانًا ولا يكون إنسانًا ، فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود ، فكذلك المؤمن والمسلم ، وسنبين ذلك في تفسير قوله تعالى: { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين } [ الذاريات: 35-36 ] إن شاء الله تعالى .

المسألة الخامسة: قوله تعالى: { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ } هل فيه معنى قوله تعالى: { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } ؟ نقول نعم وبيانه من وجوه الأول: هو أنهم لما قالوا آمنا وقيل لهم { لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } قالوا إذا أسلمنا فقد آمنا ، قيل لا فإن الإيمان من عمل القلب لا غير والإسلام قد يكون عمل اللسان ، وإذا كان ذلك عمل القلب ولم يدخل في قلوبكم الإيمان لم تؤمنوا الثاني: لما قالوا آمنا وقيل لهم لم تؤمنوا قالوا جدلًا قد آمنا عن صدق نية مؤكدين لما أخبروا فقال: { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ } لأن لما يفعل يقال في مقابلة قد فعل ، ويحتمل أن يقال بأن الآية فيها إشارة إلى حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم بعده ضعيفًا قال لهم { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطلاعكم على محاسن الإسلام { وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } يكمل لكم الأجر ، والذي يدل على هذا هو أن لما فيها معنى التوقع والانتظار ، والإيمان إما أن يكون بفعل المؤمن واكتسابه ونظره في الدلائل ، وإما أن يكون إلهامًا يقع في قلب المؤمن فقوله { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } أي ما فعلتم ذلك ، وقوله تعالى: { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ } أي ولا دخل الإيمان في قلبكم إلهامًا من غير فعلكم فلا إيمان لكم حينئذ . ثم إنه تعالى عند فعلهم قال: { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } بحرف ليس فيه معنى الانتظار لقصور نظرهم وفتور فكرهم ، وعند فعل الإيمان قال لما يدخل بحرف فيه معنى التوقع لظهور قوة الإيمان ، كأنه يكاد يغشي القلوب بأسرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت