{ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم: 2 4 ] ، ثانيها: هو بيان أن النبي A أتى بما عليه من الهداية ، وذلك لأنه أرسله منذرًا وهاديًا لا ملجأ ومجبرًا ، وهذا كما في قوله تعالى: { فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [ الشورى: 18 ] أي تحفظهم من الكفر والنار ، وقوله: { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ } في معنى قول القائل: اليوم فلان علينا ، في جواب من يقول: من عليكم اليوم؟ أي من الوالي عليكم . ثالثها: هو بيان لعدم وقت نزول العذاب بعد ، وذلك لأن النبي A لما أنذر وأعذر وأظهر لم يؤمنوا كان يقول إن هذا وقت العذاب ، فقال: نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بمسلط فذكر بعذابي إن لم يؤمنوا من بقي منهم ممن تعلم أنه يؤمن ثم تسلط ، ويؤيد هذا قول المفسرين أن الآية نزلت قبل نزول آية القتال ، وعلى هذا فقوله: { فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ } أي من بقي منهم ممن يخاف يوم الوعيد ، وفيه وجوه أُخر . أحدها: أنا بينا في أحد الوجوه أن قوله تعالى: { فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ } [ ق: 39 ] معناه أقبل على العبادة ، ثم قال: ولا تترك الهداية بالكلية بل وذكر المؤمنين { فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين } [ الذاريات: 55 ] { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف: 199 ] وقوله: { بالقرءان } فيه وجوه . الأول: فذكر بما في القرآن واتل عليهم القرآن يحصل لهم بسبب ما فيه المنفعة . الثاني: { فَذَكّرْ بالقرءان } أي بيّن به أنك رسول لكونه معجزًا ، وإذا ثبت كونك رسولًا لزمهم قبول قولك في جميع ما تقول به . الثالث: المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير ، وحينئذ يكون ذكر القرآن لانتفاع النبي A به أي اجعل القرآن إمامك ، وذكرهم بما أخبرت فيه بأن تذكرهم ، وعلى الأول معناه اتل عليهم القرآن ليتذكروا بسببه ، وقوله تعالى: { مَن يَخَافُ وَعِيدِ } من جملة ما يبين كون الخشية دالة على عظمة المخشي أكثر مما يدل عليه الخوف ، حيث قال: { يَخَافُ } عندما جعل المخوف عذاب ووعيده ، وقال: { اخشوني } [ البقرة: 150 ] عندما جعل المخوف نفسه العظيم ، وفي هذه الآية إشارة إلى الأصول الثلاثة ، وقوله: { وَذَكَرَ } إشارة إلى أنه مرسل مأمور بالتذكير منزل عليه القرآن حيث قال: { بالقرءان } وقوله: { وَعِيدِ } إشارة إلى اليوم الآخر وضمير المتكلم في قوله: { وَعِيدِ } يدل على الوحدانية ، فإنه لو قال من يخاف وعيد الله كان يذهب وهم الله إلى كل صوب فلذا قال: { وَعِيدِ } والمتكلم أعرف المعارف وأبعد عن الإشراك به وقبول الاشتراك فيه ، وقد بينا في أول السورة أن أول السورة وآخرها متقاربان في المعنى حيث قال في الأول: { ق والقرءان المجيد } [ ق: 1 ] وقال في آخرها: { فَذَكّرْ بالقرءان } .
وهذا آخر تفسير هذه السورة والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته على خاتم النبيّين وسيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه وأزواجه وذريته أجمعين .