فهرس الكتاب

الصفحة 6851 من 8321

وأما في السرر فذكر أمورًا أيضًا أحدها: الاتكاء فإنه هيئة تختص بالمنعم ، والفارغ الذي لا كلفة عليه ولا تكلف لديه فإن من يكون عنده من يتكلف له يجلس له ولا يتكىء عنده ، ومن يكون في مهم لا يتفرغ للاتكاء فالهيئة دليل خير . ثم الجمع يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون لكل واحد سرر وهو الظاهر لأن قوله { مَصْفُوفَةٌ } يدل على أنها لواحد لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفة ولفظ السرير فيه حروف السرور بخلاف التخت وغيره ، وقوله { مَصْفُوفَةٌ } دليل على أنه لمجرد العظم فإنها لو كات متفرقة لقيل في كل موضع واحد ليتكىء عليه صاحبه إذا حضر في هذا الموضع ، وقوله تعالى: { وزوجناهم } إشارة إلى النعمة الرابعة وفيها أيضًا ما يدل على كمال الحال من وجوه أحدها: أنه تعالى هو المزوج وهو يتولى الطرفين يزوج عباده بأمانه ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء ثانيها: قال: { وزوجناهم بِحُورٍ } ولم يقل وزوجناهم حورًا مع أن لفظة التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف يقال زوجتكها قال تعالى: { فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَرًا زوجناكها } [ الأحزاب: 37 ] وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا للذة الحور بهم وذلك لأن المفعول بغير حرف يعلق الفعل به كذلك التزويج تعلق بهم ثم بالحور ، لأن ذلك بمعنى جعلنا ازدواجهم بهذا الطريق وهو الحور ثالثها: عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحسن واختار الأحسن من الأحسن ، فإن أحسن ما في صورة الآدمي وجهه وأحسن ما في الوجه العين ، ولأن الحور والعين يدلان على حسن المزاج في الأعضاء ووفرة المادة في الأرواح ، أما حسن المزاج فعلامته الحور ، وأما وفرة الروح فإن سعة العين بسبب كثرة الروح المصوبة إليها ، فإن قيل قوله { زوجناهم } ذكره بفعل ماض و { مُتَّكِئِينَ } حال ولم يسبق ذكر فعل ماض يعطف عليه ذلك وعطف الماضي على الماضي والمستقبل على المستقبل أحسن ، نقول الجواب من وجوه اثنان لفظيان ومعنوي أحدها: أن ذلك حسن في كثير من المواضع ، تقول جاء زيد ويجيء عمرًا وخرج زيد ثانيها: أن قوله تعالى: { إِنَّ المتقين فِى جنات وَنَعِيمٍ } تقديره أدخلناهم في جنات ، وذلك لأن الكلام على تقدير أن في اليوم الذي يدع الكافر في النار في ذلك الوقت يكون المؤمن قد أدخل مكانه ، فكأنه تعالى يقول في يوم يدعون إلى نار جهنم إن المتقين كائنون في جنّات والثالث: المعنوي وهو أنه تعالى ذكر مجزاة الحكم ، فهو في هذا اليوم زوج عباده حورًا عينًا ، وهن منتظرات الزفاف يوم الآزفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت