{ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ } [ الحاقة: 41 ، 42 ] .
المسألة الثالثة: الوحي اسم أو مصدر ، نقول يحتمل الوجهين ، فإن الوحي اسم معناه الكتاب ومصدر وله معان منها الإرسال والإلهام ، والكتابة والكلام والإشارة والإفهام فإن قلنا هو ضمير القرآن ، فالوحي اسم معناه الكتاب كأنه يقول ، ما القرآن إلا كتاب ويوحى بمعنى يرسل ، ويحتمل على هذا أيضًا أن يقال هو مصدر ، أي ما القرآن إلا إرسال وإلهام ، بمعنى المفعول أي مرسل ، وإن قلنا المراد من قوله { إِنْ هُوَ } قوله وكلامه فالوحي حينئذ هو الإلهام ملهم من الله ، أو مرسل وفيه مباحث:
البحث الأول: الظاهر خلاف ما هو المشهور عند بعض المفسرين وهو أن النبي A ما كان ينطق إلا عن وحي ، ولا حجة لمن توهم هذا في الآية ، لأن قوله تعالى: { إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } إن كان ضمير القرآن فظاهر وإن كان ضميرًا عائدًا إلى قوله فالمراد من قوله هو القول الذي كانوا يقولون فيه إنه قول شاعر ، ورد الله عليهم فقال: ولا بقول شاعر وذلك القول هو القرآن ، وإن قلنا بما قالوا به فينبغي أن يفسر الوحي بالإلهام .
البحث الثاني: هذا يدل على أنه A لم يجتهد وهو خلاف الظاهر ، فإنه في الحروب اجتهد وحرم ما قال الله لم يحرم وأذن لمن قال تعالى: { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة: 43 ] ، نقول على ما ثبت لا تدل الآية عليه .
البحث الثالث: ( يوحى ) يحتمل أن يكون من وحي يوحى ويحتمل أن يكون من أوحى يوحي ، تقول عدم يعدم ، وأعدم يعدم وكذلك علم يعلم وأعلم يعلم فنقول يوحى من أوحى لا من وحى ، وإن كان وحى وأوحى كلاهما جاء بمعنى ولكن الله في القرآن عند ذكر المصدر لم يذكر الإيحاء الذي هو مصدر أوحى ، وعند ذكر الفعل لم يذكر وحي ، الذي مصدره وحى ، بل قال عند ذكر المصدر الوحي ، وقال عند ذكر الفعل أوحى وكذلك القول في أحب وحب فإن حب وأحب بمعنى واحد ، والله تعالى عند ذكر المصدر لم يذكر في القرآن الإحباب ، وذكر الحب قال { أشد حبًا } [ البقرة: 165 ] وعند الفعل لم يقل حبه الله بل قال: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة: 54 ] ، وقال: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ } [ الحجرات: 12 ] وقال: { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران: 92 ] إلى غير ذلك وفيه سر من علم الصرف وهو أن المصدر والفعل الماضي الثلائي فيهما خلاف قال بعض علماء الصرف المصدر مشتق من الفعل الماضي ، والماضي هو الأصل ، والدليل عليه وجهان ، لفظي ومعنوي:
أما اللفظي فإنهم يقولون مصدر فعل يفعل إذا كان متعديًا فعلًا بسكون العين ، وإذا كان لازمًا فعول في الأكثر ، ولا يقولون الفعل الماضي من فعول فعلى ، وهذا دليل ما ذكرنا .