والجواب عن الأول: أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن في هذا التفصيل فائدة ، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى: { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ } [ الزخرف: 33 ] الآية . قوله: لم قلتم إن قوله: { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم؟ قلنا: لأن قوله: «ما» تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك ، وهذه الماهية ماهية واحدة ، وقد حكم قطعًا بأنه يغفرها ، ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران ، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم ، أما قوله: آيات الوعيد أخص من هذه الآية ، قلنا: لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل ، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو .
الحجة الخامسة: أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن ، ثم نقول: لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق ، والترجيح معناه من وجوه . أحدها: أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع ، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه ، و ثانيها: أن قوله تعالى: { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود: 114 ] يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه ، فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار ، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولًا به في الباقي . وثالثها: قوله تعالى: { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } [ الأنعام: 160 ] ، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال: { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ثم زاد عليه فقال: { والله يضاعف لِمَن يَشَاء } [ البقرة: 261 ] وأما في جانب السيئة فقال: { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } ، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجح عند الله تعالى على جانب السيئة . و رابعها: أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء: { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ الله حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلًا } [ النساء: 122 ] فقوله: { وَعْدَ الله حَقّا } إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقًا .
أما قوله تعالى: { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق: 29 ] الآية ، يتناول الوعد والوعيد .